المجيء بين المُصطفى و يسوع

المدافع السلفي ـ أيوب المغربي

المجيء بين المُصطفى و يسوع

 

– الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغر الميامين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فلا شك إن عنوان هذا الموضوع واضح وضوح الشمس، فهو عبارة عن مقارنة بين يسوع و مجيئه حسب الكتاب المقدس و مجيء النبي صلوات ربي و سلامه عليه حسب الكتاب و السنة ، و سنعتمد كما نفعل آنفاً على الادلة و البراهين الموثقة من كلا المصدرين، و السؤال في هذا المنشور يتركز حول المجيء أو بصيغة أخرى ، ما الهدف بين مجيء النبي محمداً و بين يسوع ؟… و سنجيب على هذا السؤال بعد قليل…
و البداية سنبرهن على هدف مجيء نبينا الكريم ، فما هدف مجيئه ؟..
 و على بركة الله بدون إطالة ، نبدأ :

– فمسألة مجيء النبي صلى الله عليه وسلم هي مسألة واجبة على كل مسلم و مسلمة معرِفتها إنطلاقاً من الكتاب و السنة النبوية ، بحيث قبل مجيء النبي صلى الله عليه و سلم ، كان الشرك و الكفر متفشياً و بعد مجيئه أشرق نور جديد ألا و هو التوحيد و السلام، فقد كان رسولاً ذو شأن عظيم ، أحيى دين الله بالعِزَّة و جاءنا رحمة و مغفرة لينقُلنا من زمن الظلمات إلى نور الإسلام ، قال عز و جل : { وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ }الأنبياء107 ، فقد أرسله الله تعالى رحمة لكل العالم و كي تستقبل رحمته ما عليك إلا الإيمان به و بما جاء به ، قال الحافظ العلامة إبن كثير رحمه الله :
يخبر تعالى أن الله جعل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين أي أرسله رحمة لهم كلهم فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة ومن ردها وجحدها خسر الدنيا والآخرة كما قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ 28 جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ 29(إبراهيم).(1)
– و مجيء النبي صلى الله عليه و سلم كما في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ: ( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق )(2) ، جاء رحمةً مهداةً ليتمم صالح الأخلاق , و قد كان كذلك صلى الله عليه و سلم ، عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: ( لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر ، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق )(3).
ـ قال الله جل وعلا في محكم تنزيله: ” لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ” التوبة 128 ، أي أن النبي صلوات ربي و سلامه عليه كان حريصا بنا على إيماننا و صلاحنا و يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها , و هدفه إنقادنا من النار برسالته المسالمة الإسلامية لتوجيهنا للجنة أو بمنظور مسيحي : الجنة الأبدية .

– فقد جاء بآيات واضحات و بينات, ليُخرج الناس من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم و هذا ما أقره الله عز و جل في محكمته قائلاًَ : ” رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ” الطلاق 11

– فبعد تمعنٍِِ في هذه الآيات المحكمات و الأحاديث النبوية الشريفة ، فسيتبين لك أيها القرائ الكريم أن النبي صلى الله عليه و سلم جاء ليُبعد الناس عن حر جهنم و يسكنهم الجنة و جاء رحمة للإنس و الجن و كل المخلوقات و جاء ليُخرج الناس من الظلمات أي الكفر و الشرك ، إلى النور : أي الإسلام و التوحيد.

– وَ وجهُ المُقارنة هي مسألة مجيء يسوع ، فما هدف مجيء يسوع ؟!
جاء في إنجيل متى 10:
34 «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا.

قلتُ : و قول يسوع واضح ، فقد نفى عن نفسه هدف السلام في مجيئه و أقر السَّيف ، فما المقصود بالسيف هنا ؟
– من الطبيعي أن أي مفسر مسيحي سيحاول إخراج النص عن السياق و تأويله حسب ما شاء ,و تلك عادتهم , و الإعتماد سيكون على التفاسير لبيان سبب مجيئه ، و سنعتمد في هذا النص عن التفسير الحديث للكتاب المقدس و كما يعرف المسيحيون أن هذا التفسير هو تفسير متكامل للكتاب المقدس يتميز بالإيجاز والتركيز بجانب أنه محافظ لاهوتياً متمسك بالأسس الكتابية الهامة ، يقول معلقاً على نص متى 10 :34 :
– د. الإرسالية التي تفرق
43 ـ كل من يرى في إرسالية يسوع أنها إرسالية المسيا قد يعتقد أنه جاء ليلقي سلاماً على الأرض و ذلك تأسيسا على ما جاء في إشعياء 9 : 5ـ7 ، زك 9:9ـ10 إلخ. فتلك كانت رسالته حسب ما أعلن في لو 2 :14، وكما تضمنت ذلك إرسالية تلاميذه في متى 10: 13. بَيدَ أن السلام الذي يأتي به المسيا يفوق بدرجة كبيرة مجرد عدم القتال أو الحرب الحالة التي يطلق عليها الناس ” السلام ” بل هو إعادة العلاقة مع الله و تحقيق مثل هذا ” السلام ” لابد و أن يؤدي إلى التفرقة ( وهو ما يبدو متناقضاً ) ، و ذلك لأن هذا السلام لن يكون مقبولاً من الجميع ، و السيف الذي سيلقي به يسوع لا يشير هنا إلى صراع عسكري ، بل كما يتضح لنا من متى 10 :35ـ36 هو إنقاس إجتماعي حاد قد يصل إلى حد قطع أوثق الروابط العائلية (4)
قلتُ: أي و حسب التفسير الحديث للكتاب المقدس فيسوع لم يأتي ليلقي سلاماً بل جاء سيفاً أي إنقساماً إجتماعياً حاداً و هذا ما يقره النص الذي بعد متى الاصحاح 10 العدد 34 ، أي في العدد 35 يقول : فَإِنِّي جِئْتُ لِأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ وَالاِبْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ»

– ويقول ويليم باركلي في تعليقه لهذا العدد 35 :

3ـ في مجيئة تمزق و إنقسام ، و هكذا تم… و لهذا السبب بعينه أبغض الرومان المسيحية لزعمهم أنها علة التمزق و مبعثُ الإنقسام بين العائلات (5)

– و في مقابل هذا الانقسام الذي سببه يسوع في مجيء يجب الوقوف عن مجيء النبي صلى الله عليه و سلم و كما نذكر أجمعين الحادثة المشهورة التي جاء بها النبي صلى الله عليه و سلم ، فأول شيء فعله نبينا الكريم صلوات ربي و سلامه عليه : هو الجمع و التآخي بين قبيلتين عاشتا مرحلة صراع و قتال بين الطرفين ، و قد فعل ذلك بإذن الله حتى أصبحوا إخوة على إخوة ، أنصاراً للمدينة المنورة أي مجيء النبي صلى الله عليه و سلم فقد كان مجيء جمع بين الأعداء في قفص الأخوة عكس مجيء يسوع حسب الكتاب المقدس ، يقول إبن كثير رحمه الله في تفسيره :
{ فإن حسبك اللّه} أي كافيك وحده، ثم ذكر نعمته عليه بما أيده من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال: { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم} أي جمعها على الإيمان بك وعلى طاعتك ومناصرتك وموازرتك، { لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم} أي لما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية بين الأوس والخزرج، حتى قطع اللّه ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى: { واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}(6).

– ثم جاء في لوقا 12 :
49 «جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟
قلتُ : وهذا النص واضح وضوح الشمس و لا يحتاج لتأويل أو تعطيل أو تحريف من قِبل المفسري و هذا ما فعلوه حتى فسروا النار بالإضطهادات (7) و بدون مقياس و لا معيار و لا دليل على هذا الكلام المرسل.

– و في ظِلِّ نص لوقا 12 : 49 ، نجد النبي صلى الله عليه و سلم في ما رواه البخاري :
حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن أنه حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وهم يقتحمون فيها(8)

وفي الحديث ما كان فيه صلى الله عليه وسلم من الرأفة والرحمة والحرص على نجاة الأمة، كما قال تعالى ‏{‏حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم‏}‏‏.(9)

– و بالتالي فالمقارنة بين نص لوقا 12 العدد 49 و ما جاء في البخاري هو فرق كبير و شاسع بين السماء و الأرض ، فيسوع جاء ليُضرم النَّار أما النبي صلى الله عليه و سلم فقد جاء ليَنقد الناس من الهلاك و النار.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

– مصادر البحث :
(1) : القرآن الكريم ـ تفسير ابن كثير ـ تفسير سورة الأنبياء ـ الآية 107


(2) : رواه أحمد ـ صحح الالباني في الصحيحة

(3) : رواه البخاري ـ كِتَاب الْمَنَاقِبِ » بَاب إِسْلَامُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ…

(4) : التفسير الحديث للكتاب المقدس ـ العهد الجديد ـ إنجيل متى ـ طبعة دار الثقافة ـ ص205

(5) : تفسير العهد الجديد للدكتور ويليم باركلي ـ إنجيل لوقا ـ طبعة دار الثقافة ـ المجلد الأول ـ ص 221

(6) : القرآن الكريم ـ تفسير ابن كثير ـ تفسير سورة الأنفال ـ الآية 62

(7) : مثل ويليم ماكدونالد و غيره

(8) : صحيح البخاري – كتاب الرقاق – باب الانتهاء عن المعاصي برقم:6118

(9) : فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ العلامة  ابن حجر العسقلاني ـ  كِتَاب الرِّقَاقِ ـ باب الِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَعَاصِي ـ (18/311)

تم و لله الحمد

كتبه: المدافع السلفي ـ أيوب المغربي  

Advertisements

About أَيُّوب المَغْرِبِي

الرَّد الصَّريِح عَلى مَنْ بَدَّل دِينَ المَسِيح

Posted on مارس 22, 2014, in Uncategorized. Bookmark the permalink. 2 تعليقان.

  1. جزاكم الله خيرا اخى ايوب على ماتقتموه للناس من الدلا ئل والحقائق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: