ج1:ـ علاقة التثليث بالإسلام و نسف الإفتراءات

المدافع السلفي ـ أيوب المغربي
سلسلة الرد على الشبهات
حول القرآن الكريم

هل القرآن يطابق عقيدة النصارى؟(ج1)

ج1:ـ علاقة التثليث بالإسلام و نسف الإفتراءات

 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين وصحبه الغر المحجلين ومن والاهم واتبع هداهم إلى يوم الدين وبعد :

فمن أجلِ و في سبيل الله عز و جل نردُ على إفتراء ات النصارى و غيرهم من أعداء الإسلام و المسلمين بالنقل و العقل محمولاً على الأدلة و البراهين، و موضوع اليوم يرتكزُ حول إستدلال النصارى بعقيدة التثليث من القرآن الكريم ، طبعاً مما لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيها عنزان أن هذا كذبٌ و تزوير للحقائق كما سنبين مُستقبلاً ، إلاَّ أني أُنبِّه القارئ المنصف الكريم ،أن الرّد سيكون مُقسم لأجزاء عدة و أبرزها :

ج1:ـ علاقة التثليث بالإسلام و نسف الإفتراءات

ج2:ـ علاقة موت المسيح و قيامته و نسف الإفتراءات

ج3:ـ معجزات المسيح في القرآن و نسف إستدلالهم بالألوهية

ج4ـ حول شبهة إعتراف القرآن بصحة الكتاب المقدس

ـ و كما رأيتم في العنوان فهذا جزءٌ أوَّل سنرد فيه على مسألة التثليث في القرآن الكريم و للتَّمهيد سنضع قول شيخ الإسلام إبن تيمية ـ رحمه الله ـ في نقد أسطورة التثليث حيث قال في الجواب :

قال تعالى : { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم } ، فذكر سبحانه في هذه الآية التثليث والاتحاد ” ، ونهاهم عنهما وبيَّن أن المسيح إنما هو { رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } ، وقال : { فآمنوا بالله ورسله } ، ثم قال : { ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم } (1).

قلتُ : وهذا ما أُقره و نقرُّه أجمعين فأُسطورة التثليث هي أسطورة لا يُصدقها عاقلٌ و لا طالب حق، و السر في هذا الأمر ،أن هذه العقيدة غامضة ، بل يعجزون عن تفسيرها عقلياً و نقلياً ، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ :

وهذا شأن جميع أهل الضلال مع رؤسائهم ومتبوعيهم ، فجهَّال النصارى إذا ناظرهم الموحِّد في تثليثهم وتناقضه وتكاذبه قالوا : الجواب على القسيس ، والقسيس يقول : الجواب على المطران ، والمطران يحيل الجواب على البترك ، والبترك على الأسقف ، والأسقف على الباب ، والباب على الثلاثمائة والثمانية عشر أصحاب المجْمَع الذي اجتمعوا في عهد ” قسطنطين ” ، ووضعوا للنصارى هذا التثليث والشرك المناقض للعقول والأديان(2)

و قول ـ إبن الجوزية ـ هو قولٌ حق ذو بعدٍ إدراكي فهذا السر المسمى ب ” التثليث ” هو سرٌّ غير مفهوم و لا يذركه العقل البشري و يصعب استيعابه حيث يقول القس توفيق جيد : ( إن الثالوث سر يصعب فهمه وإدراكه ، وإن من يحاول إدراك سر الثالوث تمام الإدراك كمن يحاول وضع مياه المحيط كلها في كفه )(3).

و ما قُلناه الآن هو مجرد نبدة عن عقيدة التثليث عند النصارى ، لكن مضمون الشبهة اليوم يدور حول قوله عز و جل :

“إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” (سوره آل عمران 45). وفي قوله: “إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ” (سورة النساء)

ـ و أمّا الوجه الأول حسب إستدلالهم فهم يدَّعون التثليث وأنه (عيسى) دُعيَ كلمة الله وروحٌ منه ، فنقول و بالله التوفيق ، أن القول بمثل ما أقروه لا يصدُرُ إلاَّ من جويهل عصره ، فالمقصود بقوله عز و جل “بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ” دالَّة على الخلق ب ” كُن فيكون “ ، و لا يجوز لأحدٍ الخوض و الغمار في تحقيق ألوهية المسيح إنطلاقاً من هذا النص أو نسبة ” الكلمة “ إلى ذات الله ، فهو عز و جل منزهٌ عن التركيب و ليس بمركب كما قال إبن تيمية رحمه الله : (… إسمه الصمد ينفى عنه التفرق والتمزق وما يتبع ذلك من تركيب ونحوه …. ) (4) ، و ما يجعل الأمر أكثرَ وضوحاً ، قولِهِ عز و جل في كتابه العزيز : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (أل عمران 59) ، و هذا دليلٌ على أن المسيح كلمة الله مخلوقٌ بكن فيكون و هو كمثل آدمَ ، قال إبن كثير رحمه الله : يقول جلّ وعلا: { إن مثل عيسى عند اللّه} في قدرة اللّه حيث خلقه من غير أب { كمثل آدم} حيث خلقه من غير أب ولا أم، بل { خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} فالذي خلق آدم من غير أب قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقاً من غير أب فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواهم في عيسى أشد بطلاناً وأظهر فساداً، ولكن الرب جلّ جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، خلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى…(5).

ـ فأين الثالوث في القرآن الكريم ؟…سبحانك هذا بُهْتَانٌ عظيم.. فما بالُكم بالفرق الشاسع بين عقيدتنا في المسيح كمخلوق و عقيدتكم في المسيح كأزلي.

ـ و قولهم ،في الوجه الثاني ،حسب إستدلالهم بما جاء في قوله عز و جل : “إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ” (سورة النساء) ، فالمعترض أوهم الناس و حاول تضليلهم بأن الروح من الله عز و جل جزءٌ لا يتجزء من الذات الإلاهية فتشدَّق في التحليل العقلي دون اللُّجوء إلى أساليب اللغة العربية. فنقول و بالله التوفيق:

أولاً : كلمة ” وروحٌ “ جاءت منسوبة لله عز و جل و لا يجب نسبتها لذاته فالنسبة والإضافة جاءت بخلقه أي أن الروح من خلقه عز و جل ،و جاءت للتفضيل فقط. لا لبيان مركبات الله ولا لدلالة تكوُّنه من الروح ـ حاشاه ـ.

تانياً : قال محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره : قوله تعالى : وروح منه هذا الذي أوقع النصارى في الإضلال ؛ فقالوا : عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا ؛ وعنه أجوبة ثمانية : الأول : قال أبي بن كعب : خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق ؛ ثم ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام ؛ فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم ، فكان منه عيسى عليه السلام ؛ فلهذا قال : وروح منه . وقيل : هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه ؛ وهذا كقوله : وطهر بيتي للطائفين ، وقيل : قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ، وتضاف إلى الله تعالى فيقال : هذا روح من الله أي من خلقه ؛ كما يقال في النعمة إنها من الله . وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم . وقيل : يسمى روحا بسبب نفخة  جبريل عليه السلام ، ويسمى النفخ روحا ؛ لأنه ريح يخرج من الروح (6). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( أما قوله تعالى : ( فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رّوحِنَا ) وقوله في سورة الأنبياء : (وَالّتِيَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَآ آيَةً لّلْعَالَمِينَ } 91 { ) فهذا قد فسره قوله تعالى : ( فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنّيَ أَعُوذُ بِالرّحْمَـَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لاَِهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً )(7)

ثالثا : مسألة قوله عز و جل ( و منه ) فلو أردنا الكيل بمكيالين كما تقومون دائماً ، لسقطنا في الكثير من الآلهة في حالة إعتبرنا أن [منه] دالة على التجزيء أي: جزء من الله ، فهذا جهلٌ ، لأن الله عز و جل قال: { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه } (الجاثية:13) فهل نقول أن الله يتكون و مُركب من السماوات و الأرض ؟.. حسبي الله و نعم الوكيل.

فمهماَ تشدقوا في الكلام و الزندقة لإثبات ألوهية الروح القدس المتوج عن طريق مجمع القسطنطينية (8) فالمسيح(الفم الطاهر ) لم يقل و لم يذكر شيئاً عن ألوهية الروح القدس و لا حتَّى الحواريون أو الكتبة و التلاميذ.

و بعد ما تقدم نشره ، فموقف القرآن من المسيح عليه السلام هو موقفٌ إيجابي لاسلبي ، حيث إن المسيح هو مجرد بشر مرسلٌ من قِبل الله تعالى ، قال جلا و علا : ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله )(سورة النساء) ، وقال : ( اسمه المسيح عيسى بن مريم ) أخبر أنه ابن مريم ، وأخبر أنه وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين ؛ وهذه كلها صفة مخلوق .

مصادر البحث :

(1) : الجواب الصحيح ـ (2 / 15)

(2) : مفتاح دار السعادة ـ (2 / 148)

(3) : سر الأزل ـ ص 11

(4) : بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ـ 2/58

(5) : تفسير القرآن العظيم للحافظ إبن كثير ـ ط دار طيبة ـ تفسير سورة آل عمران ـ ص: 49

(6) : الجامع لأحكام القرآن  للقرطبي  ـ ط: دار الفكر ـ سورة النساء ـ ص: 383 و 384

(7) : الجواب الصحيح ـ (2 / 116)

(8) : عام 381م بأمر الإمبراطور تاؤديوس

تم و لله الحمد

كتبه: المدافع السلفي ـ أيوب المغربي

Advertisements

About أَيُّوب المَغْرِبِي

الرَّد الصَّريِح عَلى مَنْ بَدَّل دِينَ المَسِيح

Posted on أبريل 21, 2014, in Uncategorized. Bookmark the permalink. 8 تعليقات.

  1. جزاكم الله خيرا فى ميزان حسناتك اخى الغالى

  2. بارك الله فيك كلام جميل

    { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم }

    الاجابة هنا : نقض الوهية المسيح ونقض التثليث ثم بيان ان المسيح روح من الله وكلمته

    وكلمة روح وكلمة كلمته : متشابهة لها الكثير من المعاني

    اما كلمة رسول الله , ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خير لكم

    محكم

    فيرد المتشابه الى المحكم لنفهم المراد

  3. وفقكم الله

  4. نفع الله بك وهدى الله كل من يبحث عن الحق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: